الأربعاء، 7 يناير، 2009

زكاة الجوارح

حدد الله سبحانه وتعالى زكاة الماديات .. المال.. والذهب والفضة.. والماشية.. والزروع.. وعروض التجارة.. والركاز.. وتناولتها كتب الفقه بالشرح الدقيق مصارفاً ونصابا..

واعتبر الشرع أن آخذ الزكاة ليس بسائلٍ أو مستجدٍ.. إنما هو صاحب حقٍ يأخذ حقه الذي كفله الله سبحانه وتعالى له وفرض على الغني إخراجه.. فهو مال الله والغني مؤتمن عليه..

وإذا كان العلماء قد أجازوا العمل بالحديث الضعيف إن كان يتعلق بفضائل الأعمال لا التشريع.. فإن البعض قد رأى رأيا لا يقصد به تشريعا ملزما .. إنما لعله من قبيل فضائل الأعمال وأطيبها.. ألا وهو زكاة الجوارح..

تعال أخي نرى ما زكاة الجوارح..

لقد أنعم الله سبحانه علينا نعما لا تعد ولا تحصي.. وواجبنا أن نحمد الله ونشكره على هذه النعم .. اقرأ إن شئت قوله تعالى:
) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل:19)

وإن الحمد يكون بالقول.. والشكر يكون بالفعل
)اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سـبأ:13(

ولقد رزق الله سبحانه وتعالى كل منا نعما عديدة وآلاء مديدة.. فلعلك تحمد الله عليها قولا يا أخي.. فهل شكرت الله عليا فعلا؟
إن الله سبحانه ينعم علينا ليبلونا ويختبرنا ما نحن فاعلين..
)قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ )

(النمل:40(

وكم عاتبنا الله سبحانه إنذارا وتحذيرا
) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) (النمل:73)

) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ) (يّـس:35)

وأخيرا اقرأ هذا الحديث الرائع الذي رواه البخاري في كتاب الأدب ورواه الترمذي وغيرهما قال صلى الله عليه وسلم:

( تبسمك في وجه أخيك صدقة.. وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة.. وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة.. وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة.. وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة.. وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة (
وهذا الحديث الذي رواه أحمد والنسائي.. قال صلى الله عليه وسلم :

( على كل نفس في كل يوم طلعت عليه الشمس صدقة منه على نفسه .. من أبواب الصدقة : التكبير و سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و استغفر الله.. و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر.. و يعزل الشوك عن طريق الناس و العظم و الحجر .. و تهدي الأعمى و تسمع الأصم و الأبكم حتى يفقه ..
و تدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها .. و تسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث و ترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف .. كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك .. .. )

إذن أكاد أرى اتفاقا أخي بيننا على عدة أمور هي..
ـ نعم الله علينا عديدة
ـ يجب علينا حمد الله عليها قولا وشكره فعلا
ـ لابد أن نتصدق عن جوارحنا
كيف إذن نشكر الله على نعمه علينا ؟.. يكون ذلك بالتصدق عن جوارحنا..
لن أتناول يا أخي كل نعم الله تعالى على كل منا فهي أكثر من أن تحصي.. ولكن سنتناول بعضا منها فقط لمناسبتها لمجال اهتماماتنا

العين.. الأذن واللسان.. الصحة والبدن .. العقل..

زكاة العين
أن تساعد من بعينه ضعف أو شاء الله أن يذهب ببصره.. لا تنتظر أن يطلب منك عونا .. بل بادر يا أخي بالمساعدة.. فلو كنت سائرا بالطريق تقود سيارتك ورأيت من يريد عبور الطريق ويفتقد الرفيق.. توقف يا أخي بسيارتك على جانب الطريق لا لكي يعبر فاقد البصر.. إنما لكي تنزل من سيارتك وتأخذ بيده لتعبر به الطريق..
وإن كان قريب لك أو قريب منك فاقد البصر ولك اتصال به.. فاقرأ له يا أخي وعلمه.. افعل معه ما كنت تتمنى أن يُفعل معك لو كان الله قد قدر أن تكون في مكانه..
وغير ذلك كثير..

زكاة الأذن واللسان
أن تساعد من ضعف سمعه أو شاء الله له صمما أو بكمار اعلم أنه يفتقد قنوات اتصال كثيرة بعالمه.. اعلم أنه يشعر بوحدة كبيرة مريرة.. فكن أحد قنوات اتصاله بالعالم حوله .. فإن استطعت تعلم لغة الإشارات فافعل .. وانقل له سواء بلغة الإشارة أو كتابةً الأحداث الجارية حوله.. واجعله متابعا لما يدور حوله متفاعلا معه .. انقل لمن حوله آراءه ورغباتهر علمه دينه يا أخي ما استطعت إلى ذلك سبيلا.. واقرأ الحديث الذي رواه الإمام أحمد ..
( لأن يهدي الله بك رجل واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم (
وغير ذلك كثير

زكاة العقل
اعلم يا أخي أن من شاء الله سبحانه وتعالى له إعاقة ذهنية أو ما في معناها إنما هو إنسان من أهل الجنة.. ألا يسرك أن تتعامل مع واحد من أهل الجنة؟.. فلما تتجنب التعامل معه الآن وأنت يوم القيامة قد تتوسل إليه أن يصحبك معه؟؟؟.. قل لي بالله عليك .. ماذا سيكون شعورك وأنت تتعامل معه من هذا المنظور؟؟ر يا أخي ساعده واحتسب عند الله رفقتك له في الدنيا لكي ترافقه يوما بالجنة.. يا أخي.. إنه مهما كبرت سنه فقلبه برئ رقلب طفل نضر سليم ر لم يتلون مثلما تلونت قلوبنا.. حقق رغباته.. ساعده في أداء احتياجاتهر فاليوم نساعد ولعلنا غدا نطلب المساعدةر

زكاة العافية والبدن
وأقصد بها صحة البدن بما فيه من قوة بنيان وأيدي وأرجل وغيرها.. راجع يا أخي الحديث الذي ذكرته آنفا وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم ( ر و يعزل الشوك عن طريق الناس و العظم و الحجر .. .. .. و تدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها.. و تسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث .. و ترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف.. كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك .. .. )
لا أحسب أن الحديث يحتاج شرحا فهو أبلغ من كل شرح
إذن أخي .. زكاة صحتك وقوتك أن تساعد غيرك ممن يحتاجهار وتذكر دوما فعل سيدنا موسى عليه السلام لبنتي سيدنا شعيب عليه السلام

) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)

(القصص:24(
تذكر يا أخي تلك الواقعة00 سيدنا موسى عليه السلام بادر بالمساعدة ولم ينتظر أن تطلب منه

خلاصة قولي يا أخي هي..
احمد الله سبحانه وتعالى على كثير نعمه عليك بالقول واشكره سبحانه بأفعالك
شكر الله بأفعالك هي صورة من صور زكاتك عن جوارحك
بادر بالمساعدة ولا تنتظر حتى تطلب منك
احتسب عند الله الأجر ولا يكن عملك لأجر أو رياء أو سمعة أو شهرة
ضع نفسك في مكان من تساعده وانظر ماذا كنت تتمنى من غيرك أن يفعلوهر وتذكر دوما أنك اليوم سليم ولكنك لا تعلم ما قد يأتي به الغد..
سلمك الله أخي وسلم أحبابك من كل شر وسوء
وشفى كل الأعزاء وأبدلهم كل خير
والله من وراء القصد

طارق المصري

0 التعليقات: